مرحبا بيوم الحساب الشعبي

كتبهاصابر الفيتوري ، في 15 يونيو 2008 الساعة: 11:30 ص


د. محمد الشحومي

http://www.libya-alyoum.com/cgi-bin/get_img?NrImage=1&NrArticle=15951

 

حين تحتد الفروق الاقتصادية، فتتسع وتتعمق، تغيض منابع الفضيلة من المجتمع وتسوده نوازع الحيوان. فلا تستطيع قوة فوق الأرض أن تطلب من جائع لا يجد القوت أن يصير فاضلاً، لأن الحرمان لا يدفع إلى الفضيلة وإنما يخلق تصورات تدفع إلى التمرد والإجرام حين لا يجد المحروم اليد البارّة والمنهج القويم القادر على إيصاله لحيازة حاجاته .

     إن الجائع الذي لا يجد ما يسد جوعه وإن خشن وهان، والعاري الذي يجد للزمهرير لسع مثل لسع السياط ، وللحرّ مس مثل مس الحميم، والمريض الذي لا يجد ثمن الدواء ولا خلاص من  الأدواء ، مثل هؤلاء لا يستطيع أن يتغنى بالفضيلة حين يرى الغنيّ الكاسي المعافى الذي لا يعرف معنى للجوع ، فالفضيلة ليست طعاماً ولا كساء ولا دواء، إن هؤلاء ينقلبون إلى قتلة ومجرمين ولصوص حين لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم الأولية من طريق مشروع. وهكذا يظهر إلى العيان الصراع الطبقي بالرغم من أن المثل الأعلى هو الفضيلة ومكارم الأخلاق.

     وعت النظرية الجماهيرية هذا الواقع فلم تكل أمر صيانة المجتمع من أخطار التفاوت الطبقي إلى المثل الأعلى وحده، وإنما أولت الاقتصاد ما له من الأهمية في أمر الصيانة والعلاج . فحددت مقولاتها قيما اجتماعية تؤسس لأحكام تحول دون تكوُّن الثروات بطريق غير عادل وغير مشروع ، وتحول بين أصحاب الثروات بعد أن تتكون لديهم الثروة بطريق مشروع وبين أن يستخدموها في استغلال الآخرين . وشرعت نظاماً يحد من التراكم ويمنع التعاظم ، ويعطى للشعب السيد حق وضع اليد على ما تقضي به المصلحة العامة من مدخرات الأغنياء إذا قضت بذلك حاجة طارئة تعجز عن الوفاء بها المصادر التقليدية لتمويل النفقات العامة. وشرعت نظاماً للأموال العامة (ثروة الشعب) ، يضمن مستوى الكفاية في العيش لجميع الناس. وبذلك يحول بين المجتمع الجماهيري وبين أن توجد فيه ظاهرة الفقر بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي المعروف، وإن كان هذا لا يعني أن يتساوى الناس في دخلهم وفيما يملكون، لأن هذا أمر مستحيل في أي مجتمع يتخيله الإنسان على الإطلاق. ويدخل في باب الأحلام والتصورات الطوباوية التي تأباها واقعية النظرية الجماهيرية.

      إن الإنسان الجائع، المستغل، المحروم، المصفد بالأغلال لا يستطيع أن يكون فاضلاً وبذلك لن يكون حرا، وأن من اللغو أن يوعظ بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. إن إنساناً كهذا ينقلب كافراً بالديمقراطية والسلم الاجتماعي والقيم، والفضائل والإنسان والإنسانية. إن معدته الخاوية، وجسده المعذّب، ومجتمعه الكافر بإنسانيته، المتنكر له، وشعوره بالاستغلال والتهميش والدونية، وميسم الضعة الذي يلاحقه أنى كان - هذه كلها تجعله عدواً حتى  لإنسانيته ووطنه الدي لم يعترف له بحقه في الحياة الكريمة.

     إن المجتمع القائم على سيادة فريق وعبودية آخر، وعلى استغلال الأسياد للعبيد، والأحرار للمصفدين بالأغلال، مجتمع لا يمكن أن توجد فيه فضيلة ولا يمكن أن يوجد فيه فضلاء. إنه ليس إلا مجتمع لصوص ومجرمين ومرتشين ومارقين ومدمنين وخارجين عن القانون، تسيّر أفراده الأحقاد والمكر والاستغلال، وما كانت مثل هذه الصفات يوماً فضائل تشرّف الإنسان. وليس هذا المجتمع الحر السعيد الذي بشرت به النظرية الجماهيرية والذي انقلب على أغلب قيمها بعض المنافقين والنافذين والشلليين والقطط السمان ، بشكل غير مسبوق ولا مناص من التصدي لهم ومحاسبتهم وردعهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم ويعلم الجميع أن سلطة الشعب مشروعا يهدف فقط لسعادة المواطن وازدهار الوطن، وأن عقولا تعلمت في مدرسة الثورة وتربت في ميادين حركتها الرائدة لا يمكن تسذيجها أو تسطيحها أو الضحك على ذقونها ، إن الثوريون الشرفاء جبهة المعارضة الحقيقية المستمرة والمجردة ، وهم أغلبية حركة اللجان الثورية  الذين يعتبرون أن أهم مظاهر نجاح حركتهم الشريفة هي أن ينهض الشعب بكامله ليس لممارسة السلطة فقط ولكن للمراقبة والمحاسبة  والقصاص ، ودفاع الثوريون لا يكون إلا على فكرة حركة اللجان الثورية ، أما الممارسات الشخصية كلها يجب أن تكون خاضعة للسلطان الشعبي وقيمه الأخلاقية ، وكما يقول مثلنا الشعب (اللي تنقطع وذنه في الحق ما يسّمّاش عكروت ) ، وكل من يدعي أنه حريص على مصالح أهله وأبناء شعبه ، الميدان أمامه ليكتشف ويكشف ويحرض على المحاسبة وبذلك  تكون مؤتمراتنا الشعبية الأساسية في دورة انعقادها الحالية ساحة للمراجعة والمساءلة والمحاسبة وتصفية الحساب والقصاص بمنتهى العدل والشفافية كما أن لها العفو إن شاءت ، هكذا تكون الوطنية المخلصة والانتماء الحقيقي ، ولا يكون ذلك إلا داخل الوطن وبين أهله وليس خارجه والتجريح في من أفنى شبابه في خدمة مجتمعه بمنتهى الإخلاص والالتزام الذي يعلم أنه محاسب بين يدي عزيز حكيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

    إن تجاوز الأحقاد وتصفية النوايا والارتفاع إلى مستوى المسئولية والتبشير بمجتمع يفتح ذراعيه لكل أبنائه هو الطريق الوحيد لنهضة الوطن ورفاهية المواطن ، مع التذكير الدائم بأن المراجعة لا تعني التراجع ، والتسامح لا يعني النكوص ، والحب لا يعني الضعف بل إن الحب الحقيقي لا يكون إلا من شيم الأقوياء بالله والمستندين على راحة
ضمائرهم

 

ليبيا اليوم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مرحبا بيوم الحساب الشعبي”

  1. كلام جميل اخى صابر ودمت بخير وتحياتى

  2. ادراج ذات مستوى رفيع …. وعمق فكري تحسد عليه

    ادعوك للمرور على روبريتاجي الجديد الذي اعتقد انه هام

    الشيعة العرب وحقيقة ارتباطهم بالقومية العربية

    مع اهمية تعليقك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر